فهم التغيير المفاجئ للسياسة التي تنهجها الحكومة في التأثير على الحشود يستدعي قراءة في اسلوبين تنهجهما الشركات والجهات السياسية من أجل الترويج لمنتجاتها وأفكارها. وهما الأسلوبين اللذان يشكلان وجها الحكومة الحالية قبل وبعد انتشار الأزمة
الأسلوب الأول هو الفكاهة (Humor)
تتجه بعض الشركات/جهات سياسية الى نهج أسلوب الفكاهة من أجل ترويج منتجاتها/أفكارها بين الحشود. حيث أن للفكاهة دور كبير في التأثير على نفسية الفرد بشكل إيجابي، وبالتالي فالشخص عادة ما يميل إلى الإنسان المرح. من أبرز الشركات في السوق المغربي التي تنهج هذا الأسلوب نجد "إينوي" و "أورينج". في حين أبرز حزب سياسي ينهج هذا الأسلوب هو حزب العدالة والتنمية. تكريس هذا الأسلوب يوم بعد يوم يدفع الحشود بشكل لا إرادي إلى إستهلاك منتجات/أفكار المروجين. وبالتالي يتحول الحشد الى "عبد" رادخ للمستشهر (بقوة الضحك!). في حين يحقق المستشهر النجاح التجاري/السياسي.
الأسلوب الثاني هو العاطفة (Emotional Appeals)
هذا الأسلوب يتغدى على ثلاث عناصر مهمة في تسلسل ابراهام ماسلو الهرمي للإحتياجات (The Hierarchy of Needs). أولا، الحاجات الفيزيولوجية (physiological needs) كالأكل والنوم والجنس. ثانيا، حاجات الأمان (safety needs) كالسلامة الجسدية والأمن الأسري وأمن الموارد. ثالثا، الحاجة للحب والإنتماء (Love and belonging) كالصداقة والارتباط. من هذا المنطلق، يخاطب هذا الأسلوب الجانب الحسي من الإنسان، ويدفعه إلى إتخاد رد فعل معين حسب السياق. فمثلا عندما تخاطبك شركة التأمينات فهي تستهدف جانب الأمان والإستقرار منك، فتجدها تطرح عبر اشهاراتها أسئلة تزعز استقرارك الأمني وتحولك الى حالة الخوف، مثلا: "من سيهتم بأطفالك بعد وفاتك؟"، "من سيتكلف بمصاريف العملية الجراحية عند إصابتك في حادثة سير؟" وهلم جرا... في حالة المغرب اليوم، اهم تفرعات هذا الأسلوب التي تستهدفعا الحكومة في الحشود هي الرومانتيكية، الموسيقى، الشفقة، والخوف.
من خلال الأسلوبين أعلاه، وبإعتبار الموقف الراهن، فإن الشعبوية والفكاهة لن يجديان نفعا. وبالتالي فالإنتقال التكتيكي في خطاب التأثير من الفكاهة الى العاطفة يتأقلم بشكل كبير مع الوضعية الراهنة. فمثلا لو خاطب رئيس الحكومة الحشود بنفس الشعبوية والفكاهة المعهودتين في ظل هذه الظروف، كان سيجر عليه (وعلى انتمائه السياسي) وابل من الانتقادات. ولو خاطب الحشود بعقلانية فلن يجد ما يقدمه من أرقام وإنجازات، ولن يستطيع انتقاد أي جهة معينة وإلا سيسقط في نوع من جلد الذات (أو الكذب)، كما أن كلمته ستكون مختصرة في دقيقة أو أقل وهذا وقت غير كافي من أجل التأثير على الحشود. لكن بما أنه استهلك أكثر من نصف ساعة في العبارات المحشوة (و الفارغة)، وتوجها ببكاء خفيف، مع الانتباه إلى رنة الصوت وأسلوب الخطاب، فقد نجح في جلب تعاطف الحشود ولم ينتقده أحد. لذلك فالإلتجاء الى أسلوب التأثير عبر العاطفة يعد مخرجا لتفادي الانتقادات، وأيضا طريقة تأثير ناجحة على الحشود في ظل محاولة تأويل الأزمة الراهنة إلى نجاح سياسي مستقبلي (والأيام بيننا).
أمثلة تطبيقية
خطاب رئيس الحكومة ينهج أسلوب التأثير عبر الشفقة والتعاطف (Empathy Appeal). وذلك من خلال اتخاد موقف ضعف وتتويجه بالبكاء.
خطاب الفايد ينهج أسلوب إيجاد حلول للألم (pain solution). الحشود تميل أكثر الى الشخص الذي يوفر حلول، حتى ولو كانت غير عقلانية (rational). خاصة في فترة الأزمات.
صور الشرطي الذي يطعم القطط أو الشرطي الذي يحيي رجل النظافة تنهج الأسلوب الرومانتيكي (romantic appeal). القيام بهذه الأعمال أمام عدسة الكاميرا ممنهج، ونشره بشكل واسع في شبكات التواصل الإجتماعي والإعلام المكتوب والمرئي هو الآخر ممنهج. والهدف هو التأثير على الحشود من خلال استهداف العواطف (emotions). التغيير الحقيقي هو تحسين وضعية عمال النظافة والحيوانات الضالة، اما إلتقاط الصور فكلنا نبدع فيه.
الإدعاء أن جرائد اجنبية قد كتبت مقالات حول المغرب بخصوص مواجهة الجائحة ينهج أسلوب البرهان (testimonial appeal). الأمر شبيه بإشهار لشخص يشرب مشروب غازي ويخبرنا انه جيد (لأنه ببساطة دُفع له مبلغ من المال حتى يخبرنا انه جيد). مقال في جريدة أجنبية لا يعتبر برهان على شيء. هذا بالرغم أن معظم الصور مفبركة، وباقي المقالات اما كتبت من طرف مغاربة، أو صحفيين مأجورين، أو كتبت في صحف صفراء.
مقارنة المغرب مع فرنسا وايطاليا وإسبانيا على اساس ان المغرب أفضل حالا من دول الجوار ينهج أسلوب التباين (contrasting appeal). هذه المقارنة مغلوطة ولا تصح من جميع الزوايا. لأنه منطقيا من لا يجري اختبارات كثيرة لن تكون لديه إصابات كثيرة، والعكس بالعكس.
اعتراف الحكومة عبر الإعلام المخزني (القناة الثانية مثلا) أن إمكانيات الدولة غير قادرة على احتواء الأزمة في حالة تفاقمت، ينهج أسلوب الشفافية (Transparent appeal). هذا الأسلوب يدفع الحشود إلى اعتبار أن الحكومة تقول الحقيقة ما دام انها تعترف بأحد نقاط ضعفها، وهكذا لن يشكك أحد في اي خطاب صادر عنها (بشكل مباشر أو غير مباشر).
إسهال ندوات وزارة الصحة ينهج (ربما عن غير قصد) أسلوب التخويف (fear appeal)، هذا بالإضافة إلى خطاب الإعلام الممخزن بشكل عام. هذا النوع من الخطاب يدفع الحشود إلى حالة من الرعب والحاجة إلى "القائد المغوار" الذي سيلعب دور المنقذ، وطبعا هذا القائد هو الحكومة.
إرفاق مقاطع الفيديو بموسيقى مؤثرة ينهج أسلوب التأثير عبر الموسيقى (Musical appeal).
طبعا في هذه التدوينة تم رصد وجه واحد لهذا التأثير. لكن الحكومة تنهج وسائل أخرى متنوعة من أجل فرض سيطرتها على الرأي العام. فمثلا خلق جدل حول قضية الفايد الهدف منه هو إشغال الحشود في حوارات هامشية و ابعادهم عن الرهان المحوري. نهج اسلوب الوطنية (patriotism)، وتحريك حس الوطنية لدى الحشود من خلال اشهارات دائمة الظهور على الإعلام المخزني ( مثلا قناة ميدي ١ تيفي التي تعرض مقطع فيديو لشخص ببدلة رجال الأمن يقول "واش هادي هي الوطنية؟" ) الهدف منه تقريب الحشود إلى الحكومة، بدعوى أن التبعية العمياء للحزب الحاكم هي الوطنية الحقة. هذا دون الغفل عن تقريب الحشود عاطفيا من الإعلاميين الممخزنين، والمؤسسات المستبدة، وغيرها من الأساليب الملتوية.
نقطة إضافية، الحزب الحاكم استغل "الشعبوية" أيضا في تكريس صورة "الحزب الغبي" لدى الحشود. بهذه الطريقة فهو يزيل عليه الكثير من الشبوهات. لذا فصدّقني، الحكومة اذكى وأكثر مكرا مما تعتقد. الحكومة ليست فقط الوجوه التي تظهر في القنوات المخزنية. الحكومة أجهزة (محلية وأجنبية) تسهر على تحليل وتفسير أي معلومة بسيطة قد تساهم إيجابا في حكم السيطرة على الحشود. وبهذا وجب الحذر من الإنصياع خلف آثار "الشعبوية" -كل شيء مقصود وممنهج حتى ما يبدو سادجا او غير مخطط له-
بخلاصة، الحكومة (وباقي المؤسسات الكبرى سواء السياسية أو الاقتصادية) تحاول أن تستفيد من الأزمة بأكبر شكل ممكن، وإبعاد أصابع الاتهام والانتقاد عنها. فيروس كورونا ينظر إليه البعض ككعكة، لذا فالجميع قد جند "ذبابه الإلكتروني" من أجل الحصول على أكبر جزء منها. فلا تكن ذبابة، بل كن انسانا حرا.


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق