المغرب وفرنسا.. التبعية العمياء حتى في عز الأزمات

في الثاني من مارس سنة 2020 سجل المغرب أول حالة إصابة بفيروس كورونا. ليصبح بذلك معنيا بشكل مباشر من أجل مسابقة الزمن والحد من خطورة الفيروس قبل انتشاره، خاصة في ظل بنية تحتية هزيلة، نذرة الكوادر، وكثرة المفسدين. استهثر الجميع عندها بخطورة الموقف، وتهافث المدنيون والصحفيون على المستشفى الذي استقبل الحالة الأولى. تضاربت المواقف و الآراء، لكن في الأخير اجتمع المغاربة شعبا ومؤسسات على أن المرحلة لا تستدعي اتخاذ قرارات جريئة. ليتم بلغة أو بأخرى تأجيل إعاقة عجلة الإقتصاد على حساب الأرواح. توالت الأيام وزحف عدد المصابين بشكل بطيء. كان المغرب عندها كبلد مستهلك لا منتج للأفكار أمام خيارين، اتباع النموذج الصيني الناجح في احتواء الفيروس، أو اتباع النموذج الفرنسي واحترام التبعية الحتمية التي يفرضها التاريخ. اختارت الحكومة النموذج الفرنسي الذي أدلى بشهادة فشله الذريع في مواجهة الكارثة. وربما كان هذا الإختيار بساطة نهج تلقائي تتجه له الحكومة في معظم القرارات.


بعدها، اجتهدت الحكومة المغربية في "ترجمة" بلاغات نظيرتها الفرنسية الى اللغة العربية. ففي الثاني عشر من مارس أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن نيته في إيقاف الدراسة بفرنسا، لتتسارع بعدها الحكومة المغربية في اليوم الموالي الى تنزيل بلاغ إيقاف الدراسة بشكل رسمي وإلى أجل غير مسمى. ليكون بذلك الإثنين 16 مارس اليوم الأول في إيقاف الدراسة بكلا البلدين. قد تبدوا هذه الخطوة عادية، وأنه لا ضرر في تقليد فرنسا مادام أن الأمر منطقي. وبالرغم من أن المغرب تأخر كثيرا قبل الإعلان عن تعليق الدراسة، إلا أنه على الأقل قد أعلن على ذلك في النهاية. لكن هذا التزامن الصريح في إتخاذ القرار وتطبيقه بين البلدين، أعطى إشارات على أن المغرب في طريقه إلى إتباع فرنسا من جديد، وأن خطورة الموقف وفشل فرنسا في احتوائه لا يعلوان على رواسب المرحلة الكولونيالية. و بالتالي انطلقت صفارة الإنذار معلنتا بذلك أنه في حالة ما إذا ألقت فرنسا بنفسها في عرض المحيط، فإن المغرب سيتبعها مغمض العينين.

توالت البيانات والبلاغات والتصريحات من الحكومة الفرنسية، ولم تدخر الحكومة المغربية اي جهد في ترجمتها، ترجمة شملت الإطار والعناوين العريضة فقط، بينما المضمون فبعيد كل البعد عن ما تقرره فرنسا. فمثلا التعليم عن بعد في فرنسا ليس هو التعليم عن بعد في المغرب، ولك أن تتخيل كيف لدولة فشلت في التعليم الكلاسيكي العادي على أن تنجح في التعليم الافتراضي (راه كنديرو الساس عاد كنبنيو الدار). كما لا يمكن مقارنة إيقاف أو تأجيل تظاهرات من قيمة الدوري الفرنسي لكرة القدم وبطولة رولاند كاروس ونصف ماراتون باريس ومهرجان كان وإغلاق بنايات من قيمة متحف اللوفر وبرج إيفل وقصر فيرساي، بإلغاء موسم ابو عبد الله الشرقي بأبي الجعد (مع كامل احترامي للمواسم التي تعبر عن امتداد للثقافة المغربية، لكن لا وجه للمقارنة بين هذه التظاهرات ونظيرتها الفرنسية على المستوى الاقتصادي، وما سيبسبه إيقاف الأنشطة الرياضية والثقافية في فرنسا من خسائر مادية كبيرة)

أما بخصوص "المخطط الوطني لليقظة والتصدي لمرض كوفيد 19" (كتعجبونا غير بالعناوين) فما هو سوى ترجمة ل "PRÉPARATION AU RISQUE ÉPIDÉMIQUE Covid-19" الذي تنهجه فرنسا من أجل التصدي لفيروس كورونا. وحسب الجزء الثاني من كتيب أصدرته وزارة الصحة الفرنسية بتاريخ 20 فبراير 2020 بخصوص التصدي للفيروس، الصفحة 5؛ فإن المراحل الثلاث التي يتبعها المغرب، ما هي إلا المراحل الثلاث نفسها (مع اختلاف الجودة) التي رسمتها فرنسا قبل 6 سنوات تحت مسمى مخطط اورسان plan ORSAN. هذا الأخير الذي تتبعه فرنسا منذ سنة 2014 من أجل التصدي للطوارئ كالأوبئة والكوارث الطبيعية والحوادث النووية... وفي هذه الحالة، فإن فرنسا تنهج le plan ORSAN REB الخاص بالكوارث المتعلقة بالأوبئة. ويذكر ان فرنسا تمتلك 5 مخططات تحت مسمى ORSAN توفر حلول فورية يجب اتباعها في حالة 5 طوارئ مختلفة.

وفي النهاية فإن التقليد الأعمى الغير مفروض احيانا من الطرف الفرنسي لتجربته ليس دائما بالخيار الصائب. أجل، تقليد بلد بنفس عظمة فرنسا لأمر جيد. لكن هذا التقليد يجب أن يشمل الإيجابيات فقط، كما يجب أقلمته حتى يناسب البيئة التي نعيش فيها. اي بلغة اخرى، ترجمة البلاغات ليست كافية، بل يجب دراسة التجربة بشكل دقيقة قبل تطبيقها. فأي إنسان عاقل كان ليختار في مثل هذه الظروف إتباع التجربة الصينية الناجحة في مواجهة الفيروس.

[المصادر]
Europe1.fr - aljazeera - Journal des Femmes - Assahifa

نشر على الفيسبوك بتاريخ 5 أبريل 2020
TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *