في ألمانيا، سنة 2015، شكلت الوزارة الفدرالية للعدل وحقوق المستهلك لجنة مراقبة الجرائم الإلكترونية. كما أسست بعض الشبكات لجن تطوعية تراقب المجال الإلكتروني. لكن الوزارة قد وصفت هذه المجهودات بالغير كافية. سنة 2017، أكد وزير العدل الألماني أن تنقيح النشاط القانوني لموقع jugendschutz في حذف المحتوى الإلكتروني الغير لائق يحتاج إلى الضغط بشكل أكثر سرامة على الشبكات الإلكترونية من قبيل فيسبوك تويتر ويوتيوب. حيث قد تصل العقوبة المقترحة الى تغريم هذه الشبكات مبلغ 50 مليون يورو في حالة عدم الإنصياع إلى أوامر الحكومة، هذه الأوامر التي قد تكون محدودة في حذف المحتوى فقط (يمكنكم الإطلاع على هذا المقترح بشكل موسع من خلال موقع الوزارة، الرابط مرفق مع المصادر). بينما لا تتجاوز غرامة الأفراد الخمس ملايين يورو. واجه هذا الاقتراح انتقاد شديد من نشطاء الحقوق المدنية، المحامون، ونشطاء حماية البيانات. بينما يعد أهم ما جاء به هذا المقترح هو أنه يلزم شبكات التواصل التجارية التي يتجاوز عدد روادها المليونين مشترك (الصحافة وشبكات النشر لا يشملها القانون) بخلق وسيلة إنصات لشكوى المستخدمين حول المحتوى الخارق للقانون، كما أنهم ملزمين بتوثيق الجرائم وإعداد التقارير والكشف الفوري وحذف المحتوى الواضح خرقه للقانون في أقل من 24 ساعة، بينما يتم حذف المحتوى الغير قانوني في أجل 7 أيام بعد التحقيق وحظر الولوج إليه. وقد تم بالفعل سنة 2019 تغريم شركة فيسبوك مبلغ 2 مليون يورو بسبب التهاون في التبليغ عن الجرائم الإلكترونية. حيث لم تبلغ فيسبوك حسب تقريرها النصف سنوي الذي يفرضه القانون سوى عن 1704 شكوى، في وقت بلّغت فيه يوتيوب عن 215 ألف شكوى، وتويتر عن 265 ألف. هذا ما قد يبرر سبب انتقاد هذا القانون بشدة من شبكات التواصل الإجتماعي وعلى رأسها فيسبوك. حيث قد طالبت هذه الأخيرة بتدخل دولي وحذرت من الأحادية الوطنية. القانون أيضا أنتقد من الصحافة. كما أنتقد بشدة من ديفيد كي ممثل الأمم المتحدة، حيث إعتبر هذا القانون ضرب صارخ لحرية الرأي.
الإتحاد الأوروبي هو الآخر يملك قانون تم إحداثه سنة 2016 والشروع في تطبيقه سنة 2018 تحت مسمى GDPR، أو النظام الأوروبي العام لحماية البيانات. الهدف الأول من هذا القانون هو حماية البيانات، حيث يجرم قانونيا الإفصاح عن أي معلومة شخصية لرواد الشبكات العنكبوتية إلا تحت ظروف معينة مؤطرة قانونيا. كما أنها تشدد على حقوق الملكية الفكرية. يظل هذا القانون تنظيمي بين دول الاتحاد الأوروبي. لذا فهو لا يأخد صيغة التشريع، خاصة وأن الدول الأوربية تمتلك قوانين خاصة مؤطرة في هذا الخصوص (كمثال ألمانيا أعلاه).
بعد النقل المباشر للهجوم الإرهابي الشهير على مدينة كريستشارش النيوزيلاندية عبر شبكة الفيسبوك، تكتب كيلي بابالاردو، مررت الحكومة الأسترالية تعديل على قانون الجرائم يشمل المخالفات التي ترتكب على مواقع التواصل الإجتماعي. وقد أصبح هذا القانون رسمي في البلاد ابتداءا من السادس من أبريل سنة 2019. هذا القانون يشمل مواقع التواصل الإجتماعي وخدمات الإستضافة الإلكترونية وطبعا المدنيين. حيث تصل غرامة الأفراد الذين يخرقون هذه البنود إلى 168 ألف دولار كحد أعلى، في حين تصل غرامة الشركات إلى 840 ألف دولار (غرامات جد جد قاسية). بالإضافة إلى ذلك، تفرض الحكومة على الجهات التي تفشل في حذف المحتوى المخالف على وجه السرعة غرامة مالية قد تصل إلى 2.1 مليون دولار للأفراد، و 10.5 مليون دولار أو 10% من الأرباح السنوية بالنسبة للشركات. ويعتبر المحتوى المخالف كل ما نشر بصيغة مصورة أو سمعية أو هما معا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويحمل محتوى قد تعتبره جهات أو أفراد معينة مهين أو هجومي. يذكر ان أستراليا تتوفر منذ سنة 2015 على لجنة مكافحة المحتوى الغير لائق تحت مسمىThe eSafety Commissioner. حيث تمتلك السلطة القانونية لإعطاء الأوامر لشبكات التواصل الإجتماعي من أجل حذف المحتوى المضايق والبذيء والإنتقام عبر نشر المحتوى الإيباحي Revenge Porn. تم إحداث هذه اللجنة عقب أحداث 2014 التي شهدت إنتحار المنشطة التلفزيونية شارلوت داوسون بسبب حملة إهانات لحقتها عبر موقع تويتر.
في روسيا تم في السنة الماضية إدراج قانون يؤطر المحتوى الرقمي. بينما صرح الكرملين على أن هذا القانون من شأنه أن يحسن من الأمن داخل شبكة الإنترنت، تعالت إنتقادات معتبرتا هذا القرار وسيلة لإسكات منتقدي حكومة بوتين. بالإضافة إلى ذلك، إعتبر آخرون هذه الخطوة إشارة لإتباع نهج الصين (الذي سيتم التطرق له في الفقرة القادمة). وجاء في هذا القانون أن للكريملن جميع الصلاحيات في فصل الإنترنت على الشعب الروسي والعالم بأسره - لا أحد يعلم كيف سيقومون بذلك - في حالة الطوارئ. كما يتطلب هذا القانون تثبيت بعض التجهيزات تعرف ب DPI من طرف شركات الإتصال، حيث تسمح هذه التجهيزات بمراقبة مصادر الترافيك وفلترت المحتوى. بلغة أخرى، ستتمكن الحكومة من مراقبة كل ما يدور في فلك الإنترنت عبر Roskomnadzor النسخة الروسية ل jugendschutz الألمانية. في النهاية يظل هذا القانون غامض وكل يؤوله بطريقته، فمثلا أمريكا ربطته بالتدخل الروسي في إنتخابات 2016. تجدر الإشارة أيضا إلى أنه إبتداءا من سنة 2015 فرضت الحكومة الروسية على مواقع التواصل الإجتماعي تخزين معلومات خصوصية حول المواطنين الروس. بسبب ذلك حظرت Roskomnadzor موقع لينكد إن و غرمت فيسبوك وتويتر.
في الصين، شبكات من قبيل تويتر، غوغل، وواتساب محظورة في البلاد. بدلا من ذلك، توفر شبكات محلية من قبيل ويشات، بيدو، وويبو. الصين نجحت في التصدي لأي محاولة خرق هذا القانون والوصول إلى الشبكات المحظورة عبر طرق ملتوية. وقد أعلنت إدارة فضاء الإنترنت الصينية في بلاغ (باللغة الصينية لكن يمكنكم ترجمته) أنه إلى حدود يناير من السنة الماضية قد تم تسجيل ما يزيد عن 7 ملايين محتوى مسيء، حذف ازيد من 308 ألف حساب يخالف القانون، إغلاق 733 موقع، ومنع أزيد من 9000 تطبيق. الصين تمتلك مئات الآلاف من أفراد شرطة الإنترنت Cyber-Police يراقبون كل كلمة تكتب على مواقع التواصل الإجتماعي، كما يقومون بتسجيل المحادثات التي تعتبر حساسة سياسيا. حتى أن بعض الكلمات المفتاحية يتم كشفها أوتوماتيكيا، كبعض الإشارات لمظاهرات ساحة تيانانمن.
لن أتحدث عن أمريكا لأننا كلنا نعلم أنها لا تراقب الأمريكيين فحسب، بل تراقبنا العالم بأسره وتتاجر في معلوماته وتوجه آراءه. يمكنكم مشاهدة فلم Snowden الذي يوفر معلومات خطيرة في هذا الخصوص.
بعد هذه الجولة في شتى بقاع العالم يمكن أن نستخلص أن الحوار الدائر اليوم في المغرب سبق أن دار في دول أخرى. وأنه فور إصدار الحكومات لمشروع القانون، تتعالى أصوات المنتقدين. لكن في النهاية يتم تطبيق القانون بتصويت الأغلبية لأن ما له من مزايا يفوق ما عليه من سلبيات. فمراقبة الإنترنت وتقنينه بفرض العقوبات يحد من الإضطهاد والترهيب والقتل والإنتحار والسخرية والعنف النفسي والمتاجرة في البيانات ونشر التفاهة وغيرها من الجرائم الخطيرة، لكن في الوقت ذاته يسمح للحكومة بتوجيه الرأي العام وإسكات المنتقدين. ثم إن النقاش الدائر اليوم لا يتبع المنهجية العلمية، حيث يتم إنتقاد قانون دون الإطلاع عليه، وهذا أمر يخالف المنطق. بناء موقف من خلال تأويلات الآخرين لبعض البنود المسربة ليس بالأمر السليم وينافي لكل أسس الفكر النقدي. وما دام أن القانون سيتم التصويت عليه من طرف ممثلين إختارهم المدنيون، فإن توفير الدولة لنسخة إليكترونية من مشروع القانون لن يغير في الواقع شيء، لأن الواقع يغير يوم الإنتخابات وليس الآن.
المصادر
The Guardian
Bmjv.de
Jugendschutz.net
نشر على الفيسبوك بتاريخ 28 أبريل 2020


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق