نشر السوينكا للمواد المسربة ستتم مناقشته من زوايا مختلفة. لذا سأطرح أسئلة متنوعة تراودني وربما تراودكم أنتم أيضا، وسنحاول الإجابة عنها. لمذا قام السوينكا بنشر مواد معينة دون أخرى؟ هل يمتلك القانون بأكمله؟ أم أنه توصل بهذه المواد فقط؟ لماذا أرفق نشر هذه المواد برأيه الخاص ولم يكتفي بالحياد وترك المتلقي يقرر بنفسه؟ وما السر خلف بعض الكلمات في تدوينته؟ ومن الرابح في خلق هذه الضجة؟ وهل للسراع السياسي حول الولاية القادمة دور في صب البنزين على النار؟ ثم هل هناك أحداث تحدث في خلفية هذا النقاش الهامشي، وما نراه اليوم سوى نسخة منقحة لنقاش الفايد الذي ألهى المدنيين عن المواضيع المحورية؟
لنفترض إذا أن سوينكا يمتلك القانون كاملا. لمذا لم يقم بمشاركته مع المجتمع المدني والأخصائيين والصحافة. فبهذه الطرقية، وفقط بهذه الطريقة، يمكن بناء نقاش منطقي وعلاقني حول القانون. أما الآن فالجميع يرفض قانون لم يره ولم يطلع عنه يوما. وهذا أمر يخالف المنهجية العلمية والتفكير النقدي حيال القضايا المطروحة. إذا كان يمتلك القانون كاملا، فإن عين الصواب هو أن يشاركه بأكمله مع المجتمع المدني، حتى نرى إن كان فعلا القانون بأكمله يستحق الرفض، أم أنه فقط بعض المواد التي يجب رفضها أو تعديلها. وما دام انه قام بمشاركة أكثر المواد جدلا في القانون، فلا أعتقد أن الخوف هو المانع الذي يحول بينه وبين نشر القانون. وإنما أشياء أخرى.
في حالة توصل سوينكا بهذه المواد فقط، فهنا الطامة الكبرى. لنعتبر أن نيته حسنة، كيف يعقل أن يقوم إنسان عاقل (بل وشخص يملك قاعدة جماهيرية عريضة من الأتباع المخلصين) بنشر بعض المواد فقط وتجاهل قانون يحوي على الأقل 18 مادة. هل يعقل أنه لم يطرح اسئلة من قبيل "مذا عن باقي المواد؟" على مزوده بهذه المعلومات. كيف يقبل أن يعادي الحياد وينقل الجزء السلبي فقط من قانون لربما يملك مزايا قد تحد من جرائم القتل والتعنيف والتهديد وعمليات الإنتحال والإختراق ومآسي الإنتحار وإستغلال الأطفال والمراهقين وغيرها من كوارث عالم الإنترنت التي قد تفوق أحيانا نظيرتها في العالم الواقعي. وأكاد أجزم أن "السيبا" في الإنترنت المغربي اليوم، لم يعرف هذا البلد نظيرا لها في تاريخه حتى في عز سنوات التخلف. لكن إذا لم تكن نيته حسنة (انا لا اتهمه بشيء لكن ما دمنا نتحدث عن حرية التعبير، فمن حقي أن أضع فرضيات، خاصة وأن المسألة هي قضية رأي عام وتخصني كمواطن مغربي ولها تأثير جوهري على حاضري ومستقبلي). إذا كان السوينكا مدعوم من جهات معينة (العدالة والتنمية كما سنرى في الفقرات القادمة). هل يبطل عندها النقاش الدائر؟ بإعتبار أن ما بني على باطل فهو باطل. والباطل هو أن ما كتب على صفحة السوينكا من رأي زعم أو فهم منه أنه رأيه الخاص، ما هو إلا كلام سياسي محض.
يقول غوستاف لو بون "أياًّ تكن حيادية الجمهور، فإنه يجد نفسه في غالبية الأحيان في حالة من الترقب المهيأة لتلقي أي إقتراح. وأول إقتراح يظهر يفرض نفسه مباشرة عن طريق العدوى والانتشار لدى كل الاذهان، ثم يحدد الاتجاه الذي ينبغي إتباعه حالا" (الصفحة 66). إن السوينكا هو ما يدعوه لو بون في كتابه بالمحرض، أي الشخص الذي يدعو الحشود إلى اتخاد قرار معين. وما دام أن الحشود تتميز بالسداجة وتفكير الأطفال، حسب الكاتب، فإنهم يعتنقون أول فكرة تواجههم حيال الموضوع بتسرع وبإنعدام للرأي الشخصي والروح النقدية وبكثير من المبالغة في العواطف والمشاعر (الصفحة 63). إن السوينكا، أو على الأقل الشخص الذي كتب التدوينة، يعي هذا الكلام جيدا. فهو لم يترك للجمهور فرصة أن يقرر بنفسه هل هذه البنود في صالحه أم لا، وهل يعقل أن يطلق حكمه المطلق على قانون بأسره إنطلاقا من بعض البنود. لذلك فقد سارع إلى إضفاء رأيه (الغير شخصي)، وما دام أن السوينكا يعتبره البعض من المقدسات، فقد تم اخد رأيه على أساس انه عين المنطق، وأن كل من يخالف هذا الرأي كافر بكلام سوينكا. وسرعان ما تطور الأمر (أو سرعان ما انتشرت العدوى بلغة لو بون)، لتصبح الحقيقة هي كلام سوينكا (أو ما أطلق عليه لو بون مصطلح السراب)، لا ما جاء به من ما سماه ب (بنود مسربة).
إن الأمر لا علاقة له لا بحرية التعبير ولا بتلك الشعارات الرنانة، كل ما في الأمر هو صراعات سياسية بين قوى البلوكاج. إن الإنسان العاقل يمكن أن يستخلص بنفسه أن البلد الذي يسجن فيه الصحفيون تنعدم فيه حرية التعبير، وبالتالي كيف يعقل أن يحرمنا هذا القانون من شيء لا نملكه أساسا؟ بلغة أخرى، فاقد الشيء لا يؤخد منه! كما سبق أن أدليت، كل ما في الأمر هو مسرحية سياسية سبق وأن نهجتها العدالة والتنمية في نفس هذه الفترة قبل سنوات حتى تطيح بأقوى خصومها في الإنتخابات الرئاسية آنذاك إلياس العماري. كلنا نتذكر كيف لاحق الرجل الكثير من الكلام (ربما شائعات) في تلك الفترة، أبرزها "مروج مخدرات، علماني عدو للإسلام، يساري متطرف.... إلخ". وبفضل تجنيد العدالة والتنمية لذبابها الرقمي واللارقمي الذي روج لهذه السموم (وطبعا بفضل العزف على وثر الدين والدموع) استطاعت أن تنتصر في حرب لا يخسر فيها سوى الشعب. إذا قمنا بتحليل كلام سوينكا، سنجد أن العدالة والتنمية قد بدأت بالفعل حرب الولاية الثالثة، لكن العدو هذه المرة ليس العماري، بل أخنوش.
شعبوية سوينكا قبل شعبيته تجعله أبرز مفاتيح الانتصار في حرب الرئاسة القادمة. فهذه الشعبوية هي التي تراهن عليها العدالة والتنمية دائما. وهي التي جعلت من شخص كدونالد ترامب يحكم أقوى دولة في العالم. الشعبوية سلاح خطير، فهي ما جعلت من السوينكا أحد المقدسات، كما جعلت سابقا من بنكيران أحد المقدسات. بنكيران، ذلك الشخص الذي جاء من السفح ليصل إلى القمة، المناضل الذي يعرف معاناة الشعب جيدا، لذلك يحرق نفسه حتى يضيء هذا الشعب المقهور. هذه هي الشعبوية، أن تجعل من نفسك روبن هود، لكن روبن أخرس، بل أعمى وبدون ضمير، مناضل يبيع مبادئه عند أول فرصة.
من أول جملة، "على غير العادة"، يسلب السوينكا عقولنا منا ويجردنا من سلاحنا الوحيد في باقي سطور التدوينة. يجعل الأمر في الفقرة الأولى يبدو مثيرا للإهتمام، لكن في نفس الوقت مثير للريبة، ويدفعنا كي نطرح أسئلة معينة. احتفظ بالرأي الذي يريدنا أن نتبناه حتى أدلى بمصداقيته. ليصف القانون بعدها بالمرعب. يردف ذلك بكلمة "خوكم" حتى يؤثر على اللاوعي، يستهدف العاطفة، يتجنب التشكيك فيما سبق، ويبرئ نفسه من أي تبعية لأي جهة كانت. وحتى يوحد الجماهير، وطبعا حتى تحقق الجهات التي تقف خلفه مغزاها من المسرحية، وجب أن يقدم لنا شخصا نضع عليه اللوم ونحمله المسؤولية، لذا فيقول "تتحس باللي مصاوباهم شركة من الشركات لي تضررت ب المقاطعة (ويضيف هاشتاغ للكلمة الأخيرة حتى تبدو بارزتاً)". وبالحديث عن المقاطع، فإن وجهها البارز هو أخنوش، وبالتالي فالحشود (بلاوعيها) اصبحت تعرف العدو المزعوم. بعدما أن جعلنا في صفه، الآن أصبح الوقت مناسباً لتحويل الحشود من وضعية الغليان الى وضع التصرف. لذا فالفقرة الأخيرة تتولى هذه المسؤولية. وطبعا التدوينة مليئة بالأخطاء الإملائية حتى تبدو أنها قد كتبت في لحظة غضب. إن فيديو مايسة يزكي هذا الكلام. فقد اتهمت هذه الأخيرة أخنوش مباشرة، وبالتالي فحتى من لم يفهم الرسالة المبهمة في تدوينة سوينكا. فقد وضحتها له مايسة بصريح العبارة. ليبدو جليا أن الحرب ليست حرب نبيلة للمطالبة بحرية التعبير، بل هي حرب للإطاحة بأخنوش.
انا هنا لا ادافع لا على أخنوش ولا على العماري ولا على العدالة والتنمية، فكل الأحزاب وكل السياسيين في واد واحد بدون اي استثناء. وانا هنا لا اهاجم سوينكا أو مايسة، انا اقدم رأيي الشخصي بكل حرية وحياد. وطبعا رأيي قابل للصواب كما أنه قابل للخطأ. وانا لا أدعوك لتصديق كلامي، بل أدعوك لتحليله بفكر نقدي نزيه.
طبعا العدالة والتنمية اعتادت على ضرب عصفورين (بل عصافير) بحجر واحد. لذا، وكما هو شأن ملف الفايد، فالهدف الآخر من اختلاق هذه البلبلة هو ترويض الرأي العام، واشغاله في حوارات جانبية، في وقت يعد النقاش المحوري هو نقاش كورونا. لا أحد الآن يوجه الانتقادات للحكومة، لا أحد ينتقد إجراءات الحكومة البدائية في التصدي للفيروس، لا أحد يتحدث عن الأرقام، لا أحد يتحدث عن وضعية الفقراء... والغريب، بل والمضحك، عندما انتقدت في بداية الأزمة طريقة معاملة رجال الأمن بشكل مهين للمواطنين، هاجمني الجميع بدعوى انه لا مجال لحقوق الإنسان في هذه الظروف الاستثنائية، والآن بعد أن اشتدت الأزمة، وبقدرة قادر، أصبح لها مجال أوسع من الظروف الاستثنائية عينها.
في هذه التدوينة تم الاعتماد على كتاب غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير. وأيضا بشكل غير مباشر تم الاعتماد على كتاب مصطفى حجازي، التخلف الإجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور.


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق