دربي الفيسبوك.. هل تساهم الصفحات الرسمية للوداد والرجاء في شحن الجماهير؟

بين من يعتبرها مشادات عادية تحدث حتى بين حسابات كبريات الأندية العالمية، وبين من يراها ظاهرة سلبية ستعود بالندم على الجماهير التي تتجرع كميات كبيرة من الحقد والكراهية تجاه الغريم. نرصد لكم في هذا المقال مجريات دربي الفيسبوك. 


إعتادت الاستوديوهات التحليلية للقنوات الرياضية بعد كل كارثة تحدث في الملاعب المغربية على إلقاء اللوم على صفحات الجماهير التي تساهم سلبا في شحن الأجواء وتحريض ضعاف العقول على ارتكاب مآسي يحزن لها الوطن. إن هذه الصفحات تتحمل جزء كبير من المسؤولية، وتملصها من العقاب يطرح أكثر من سؤال حول مدى صرامة التعامل معها بشكل قانوني. ولن نغفل أيضا أن جزء آخر من المسؤولية تتحمله المنظومة التعليمية المهترئة التي تتهاون في بناء مشجع واع بحقوقه وواجباته تجاه نفسه وتجاه الآخر. إن هذه الظاهرة السرطانية ظلت محل اتهام طالما أنها كانت حكرا على الجهات الغير رسمية. لكن اليوم، بعدما اصبحت الصفحات الرسمية تمارس هذه الهواية، هل يعقل أن يغض الإعلام بصره وكأن شيئا لا يقع؟ هل يجب ان ننتظر مغمضين الأعين حتى تقع الكارثة؟ أم وجب التنبيه بمعالمها حتى تتحرك الجهات المعنية وتصلح ما يمكن إصلاحه؟

إن صفحتي الوداد والرجاء الرسميتين على أكثر موقع تواصل إجتماعي رواجا بين المغاربة، والحديث هنا عن فيسبوك، قد دخلتا بالفعل في حرب باردة لا يحمد عقباها. فبين المنشورات التي تمرر رسائل الإستهزاء والإستخفاف بالفريق الغريم بشكل لا مسؤول، إلى التراشق بالمنشورات، هناك جماهير تتأثر سلبا بهذه الحرب، وتتشبع سياسة العداء لا ثقافة الروح الرياضية. ففي وقت كان من المفروض ان تشكِّل فيه الجهات الرسمية المَثل الخلاّق الذي يؤثر إيجابا على الجماهير ويحارب مسببات الشغب والمآسي، ها هي هذه الجهات قد باتت الداعم الأول للمشادات بين المتعصبين لهذا اللون أو ذاك. ولك أن تطَّلِع على التعليقات في بعض المنشورات التي تصل أحيانا إلى حد السب والتحقير، وهذا في حد ذاته عنف ينذر بآخر أكثر حدة.

إن الخطير في الأمر هو كيف تؤوَّل هذه المنشورات (الرسمية). ففور تمرير أحد الصفحتين لرسالة في قالب يحومه الإبهام، سرعان ما تتلقى الجماهير هذه الرسالة بوضوح تام، هذا الوضوح الذي قد يغيب عند المحايدين الذين يجهلون كواليس دربي-اللاملاعب. فعندما تتلقى الجماهير هذه الإشارات من الصفحات الرسمية، تذهب إلى تطويرها بأشكال مختلفة، فهناك من يساهم من خلال التعليقات الساخرة بشحن جمهور الفريق الغريم، وهناك من يقوم بمشاركة المنشور الأصلي ويرفقه بعبارات مستفزة، بل والأخطر من ذلك هو صفحات المحبين التي تحوي آلاف المتابعين، والتي تعيد صياغة ما كتب في الصفحات الرسمية على شكل "طرولات" أو فيديوهات تزيد الطين بلة، وتنتشر في أوساط مواقع التواصل الإجتماعي كالنار في الهشيم.

وبالحديث عن صفحات المحبين، فإن القائمين على هذه الخلايا الإلكترونية (صفحات، مجموعات، حسابات شخصية...) يجدون في ما تمارسه الصفحات الرسمية مبررا لنشر الحقد والكراهية بين الجماهير. فما دام أن الصفحات الرسمية لا تتخد موقف الصرامة بخصوص هذه المعضلة، فإن الجهات الغير رسمية تعتبر هذه الرعونة في مواجهة العنف الجماهيري لدى المسؤولين مدخلا لتأزيم الوضع القائم. إن الأمر شبيه بمثال الأب والإبن، فمهما جاهد الأب في نصح إبنه بالابتعاد عن التدخين، إذا كان هو نفسه مدخنا، فإن نصائحه لن تجدي نفعا، وسيكتشف يوما ما أن إبنه يسير على خطاه. الصفحات والحسابات الغير رسمية إذاً تلعب دور الإبن المقلِّد، في حين أن الصفحات الرسمية هي الأب الذي يعطي نموذجا يتم إتباعه، وعليه فعلى هذه الصفحات أن تعي جيدا كم المسؤولية الملقى على عاتقها، وأن تحسب ألف حساب قبل ان تنشر أي حرف قد يؤدي مستقبلا إلى عواقب وخيمة.

ولا يحبد أن يفهم من هذه السطور إتهام لأي شخص أو جهة معينة. إن غيرتنا على كرة القدم المغربية، وخوفنا من تكرر مآسي راح ضحيتها أبرياء وكُوِيَت بسببها قلوب أمهات وعائلات، لهي الدافع الأساس لإثارة هذا الموضوع. إن تلك المآسي لا ترضينا ولا تسر أي غيور على أبناء وطنه، لذا فهذه المخاوف نابعة عن روح وطنية محضة. كما أنها نابعة عن غيرة تشمل الرجاء والوداد على حد سواء، فهما اليوم وجها البطولة الوطنية خارج المغرب بدون منازع. وإن التنافس الحقيقي الذي نريد أن نراه بينهما، هو السباق نحو حصد الألقاب وقهر الأندية الأجنبية، لا المشادات الكلامية الفارغة التي تضعفهما أكثر مما تقويهما.
TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *