حثما كل من يقرأ لأبو القاسم الشابي يلمس جمال الكلمات وعمق المعنى. ولا شك في أن من ينثر الغبار عن هذه القصيدة بالذات، يتغنى بحقبة من المقاومة والصمود قد ولت وصارت تروى في محاضرات التاريخ. لكن مذا لو أن ما اعتقدنا انه ماضي ماهو الى امتداد لحاضرنا؟ مذا لو أن الليل لم ينجلي بعد؟ ومذا لو أن القيد لم ينكسر؟
في الثامن عشر نوفمبر من كل سنة، يحتفل المغرب بذكرى الاستقلال وحظر الأعلام الإمبريالية من الرفرفة فوق الإدارات الثرابية. استقلال كلي أو شبه كلي شمل مجموعة من الحقول كالسلطة المخزنية والإدارة وتقرير المصير وغيرها. استقلال لا يختلف عنه إثنان في أن له تبعيات اقتصادية وتدبيرية في مرحلة قد تسمى بالانتقالية أو ما بعد الإنتقالية. وأن المغرب كبلد قائم بذاته مازال يهتز بين الفينة والأخرى. كل هذه الأمور لها علاقة بوثائق تمضى واراضي تسرح وصفقات تطمس. ومن وجهة نظري، لو قدم المغرب تنازلات عن ملايير الدولارات مقابل استقلاله، حثما لم اكن لأكثرث. لأنه لا المال ولا الأراضي تبني الشعوب، بينما وعي الشعب يؤسس
اراضي وقد حررت.. فماذا عن العقول؟
الإهتمام بالاستعمار الملموس والتغاضي عن الإستعمار الفكري أكبر مصيبة يعيشها المغرب حاليا. حثما مغرب ما قبل الكولونيالية بفترة لم يكن شيء يذكر، جهلاء يدبون في الأرض و انتشار للجريمة بشكلها الشائع آنذاك في قطاع الطرق. وقد وجدت القوة المستعمرة في ذلك مسلكا لتبرير سلوكها، حيث أنها اتخدت سبيلا شبيه بالغزو الإسلامي، واعتبرت الاستعمار مهمة تنويرية. كما أنها نصبت نفسها في دور حامي حمى السلام والأمن بين الجماعات والقبائل. في فترة الاستعمار كنا أمام شتات شعب بمتوسط فكري دون المعدل بسنوات عن الغرب المستعمر؛ فكان ذلك دريعة الغرب في طمس هوية وتاريخ المغرب ووضع أسس جدية لإستعمار فكري طويل المدى.
ما بعد الكولونيالية
كما سبق وذكرت فنحن اليوم نعيش في مرحلة ما بعد الكولونيالية، وهذا مصطلح مخادع نوعا ما، حيث يكبح التصدي لمعالم الاستعمار الفكري البارزة في المجتمع المغربي. الإستعمار الفكري هو إعادة كتابة التاريخ وتحديد معالم الغد. حيث قد طمس حقب وأعلام المغرب المميزة في ما قبل الكولونيالية، وساهم في تفرقة المجتمع و انحلاله. اليوم نعيش على وقع ثنائيات من قبيل : "عربي-أمازيغي"، "ولد الشعب - كيليميني"، "شمالي - داخلي"، "كازاوي - رباطي" ... واللائحة تطول. بل حتى وسط قبيلة لا يتعدى سكانها العشر آلاف نسمة، نجد مظاهر هذه التفرقة بين المدنيين. والأكيد أن نفس القاعدة تشمل الأحياء بل العمارات والمنازل والأسر الصغيرة... هذا هنا مجرد مثال لفكرة " فرق تسد " التي طبقت من طرف المستعمر، والتي مازالت تفرض نفسها بقوة في مغرب 18 نوفمبر. ولك أن تنسج على ذلك.
الحل
ليس حلا راديكاليا لكن لديه ضمانات. اذا كان طرد الإستعمار الملموس قد ساهم فيه مقاومون مسلحون بشتى أنواع الأسلحة، فمقاومة الإستعمار الفكري تحتاج لتجنيد أكبر عدد من المثقفين. والهدف من ذلك بناء مغرب جديد - بعد أن فقد الأمل نسبيا في مغرب اليوم - بنظرة مطولة للأجيال المستقبلية. حيث ستشمل هذه المقاومة وضع مصفاة لمبادئ وقيم المغرب والعالم، يشارك في صناعتها نخبة مثقفين البلد. وعرض جميع الميادين التي لها علاقة وطيدة بالفرد والجماعة على هذه المصفاة. دور المصفاة هو هيكلة منظومة الأخلاق والمبادئ، ووضع أسس ثقافية جديدة. حيث ستساهم في بناء جيل جديد واع بحقوقه تجاه نفسه وتجاه الآخر، جيل سيكون حكومة الغد ويمسك بزمام أمور البلد.


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق