مركزية ‏الإنسان ‏الأوروبي ‏على ‏حساب ‏انسان ‏الهامش ‏(كورونا ‏كمثال)

قيمة الإنسان الأوروبي ليست هي نفسها قيمة إنسان "الهامش". دائما ما نشعر بأنه هناك هوة كبيرة بين الغربي وانسان "العالم الثالث". طبعا هذه الهوة شرعت في الإتساع مع سلسلة التوسع على حساب دول الهامش (الإمبريالية)، ويزكيها الإعلام حاليا. الحركة الكولونيالية أنشأت هيكل مثين لطريقة رؤيتنا للعالم اليوم - وطبعا اقصد ب "نحن" دول الهامش -. فمثلا، الدين الحق هو دين الغرب(انتشار المسيحية في افريقيا كمثال)، والفن الجميل هو فن الغرب، بل الجمال نفسه هو الجمال بمعايير الغرب، ثم السعادة الحقيقية هي السعادة على طريقة الغرب، ومقاس الجسد المناسب هو نفسه الشائع عند الغرب... الخ كل هذه معايير دستها الحركة الكولونيالية داخل مجتمعاتنا تحت غطاء ما يسمى بالبعثة التنويرية. اي انك لا تبلغ مرحلة "الانسان" حتى تسعد لما يسعد له الغرب وتتألم لما يؤديه. ولست إنسان طبعا لو أحببت أحواش أو احيدوس أو غيرها من الفنون التي تنتمي للثقافة المغربية (كمثال)، لأن الفن الحقيقي هو فن موزارت وباخ وغيرهم. ولست إنسان لو تحدثت العربية أو الأمازيغية مادام أن لغات الفكر هي الفرنسية والإنجليزية والإسبانية... حتى أنه هناك نظرية غربية تعتبر اللغة التي يتحدث بها الكائن البشري تحدد مستوى وعيه وفكره، فأنت لو تحدثت الانجليزية ستفكر بطريقة الإنجليز "الراقية". في حين لو تحدثت العربية فهذا شبيه بإصدار أصوات الحيوانات، وبالتالي فتفكيرك عندها يكاد لا يتجاوز الغرائز الطبيعية. الموضوع متشابك قليلا، لكن الخلاصة هي أنه كل ما يوجد خارج أروبا لا يمكن أن نسميه بمسميات ما يوجد في اروبا. الفن ليس فنا إلا ان صدر عن الغرب، والمعمار ليس معمارا إلا ان ساهم فيه الغرب، والجمال ليس جمالا إلا بمعايير الغرب... وانسج على ذلك. بلغة اخرى، الحقيقة توجد عند الغرب، أما الآخرون فمجرد هامش يحتاج إلى الإمبريالية حتى يصل هو الآخر إلى هذه الحقيقة.


اليوم لدينا مثال حي عن هذه الهيكلة. فيروس كورونا الذي أصاب بعض المناطق في اروبا وأدى إلى وفاة بعض الحالات. أصبحنا مجبرين كمجتمعات غير معنية بالموضوع على أن نتابع "الفلم" بالتفصيل ونحفظ عدد الحالات ونتابع الفيديوهات والأخبار والمستجدات فور نزولها. أصبح انتقاد تهويل الموضوع يهاجم تلقائيا من المجتمع. حتى أن انتقاد الموضوع بطريقة ساخرة (كما يفعل الغرب بخصوص الحروب التي تنشأ في الهامش مثلا) أصبح مرفوضا ما دام أن الغرب يرفض ذلك. عندما كان الفيروس منتشرا في الصين تعامل المجتمع الأوروبي مع الموضوع بكثير من الاستهتار، وكذلك فعلت دول الهامش. لكن عندما وصل الفيروس الى اروبا، تحول خطاب الاستهتار الى خطاب جدي، وكذلك فعلت دول الهامش أيضا. بالرغم من اننا في كلا الحالتين غير معنيين ( على الأقل الى حدود الساعة). هنا نلاحظ هذه التبعية للغرب في الخطاب انطلاقا من تأثير الإعلام على دول الهامش. وبالتالي فنحن منغمسين في هذه المنظومة أو الهيكلة التي اسستها الحركة الإمبريالية منذ سنوات. اي انه يجب أن نتألم لما يؤذي الغرب حتى وإن لم نمس بأذى. ويجب أن ندخل حالة من الذعر والتوهب والخوف فقط لأن الغرب هو من يعاني وليس نحن.

طبعا هنا انا اشير الى رؤوس الأقلام فقط لأن الموضوع متشعب كثيرا، لكن أعتقد أن الفكرة واضحة، وربما قد تتضح أكثر مع هذه المقارنة. منذ سنة 2002 انتشرت الملاريا بشكل كبير في افريقيا، بالإضافة إلى جنوب آسيا، شمال أمريكا الجنوبية، وجنوب أمريكا الشمالية، الا أنه قد فتك بشكل كبير بالقارة الأفريقية. بينما لم ترى دول الغرب الملاريا منذ أكثر من 120 سنة. تسجل كل سنة 214 مليون حالة إصابة بالملاريا، في حين 3.2 مليار انسان على الكرة الأرضية مهدد بالإصابة في أي لحظة. 7 من أصل 10 أطفال اقل من 5 سنوات في العالم يموتون سنويا بسبب الملاريا. في حين يصل معدل الوفيات الى 438 الف حالة، 80% منها تحدث في افريقيا فقط. 200 الف جنين يسقط ضحية الملاريا قبل أن يرى النور. ويغيب أطفال القارة الأفريقية عن 50% من الحصص الدراسية بسبب هذه الجرثومة. (إحصائيات حسب منظمة تشايلدفاند انترناشيونال التي تنشط في 26 دولة تعاني من الملاريا). في حين تبدو أرقام فيروس كورونا لا تكاد تذكر أمام الخراب الذي تحدثه الملاريا سنويا. حيث منذ انتشاره في أواخر السنة الماضية. أصاب فيروس كورونا 139 الف حالة ( 70 الف منها تماثلت للشفاء ) في حين لقيت 5 آلاف حالة حتفها بسبب الفيروس. كما أن 80 الف حالة إصابة و 3 آلاف حالة وفاة توجد في الصين فقط. وبالتالي فإن الفيروس لم يكد يخدش اروبا حتى بالمقارنة بالملاريا في دول الهامش. ( إحصائيات حسب موقع ووردوميتر )

انطلاقا من هذه الإحصائيات نلاحظ أن الملاريا أكثر فتكا بالبشرية. لكن لأنها وباء متفشي في دول الهامش، فهي لا تعتبر تهديد ما دام انها لا تهدد الغرب. والعكس بالعكس، اي ان فيروس كورونا ليس بذلك الفتك، لكن مادام انه متفشي عند الغرب، فقد تم تحويله إلى اسوء كابوس قد تعيشه البشرية. اخرج الى الشارع واسأل اي شخص عن عدد الإصابات بفيروس كورونا في ايطاليا أو إسبانيا، سيخبرك بالعدد ويغنيك بآلاف التفاصيل. في حين لو سألت عن عدد ضحايا الملاريا في الكونغو أو نيجيريا، فلا أحد سيجيب رغم أن الأرقام جد مهولة. كل هذا يكرس فكرة أن الإنسان الغربي أكثر قيمة من انسان الهامش. وأن إصابة شخص واحد بفيروس كورونا في اروبا، اسوء بكثير من وفاة آلاف الأطفال بالملاريا في افريقيا. كلها افكار سوداوية امبريالية غرسها الغرب المستعمر في عقولنا حتى أصبحنا نعتبرها أنها الحقيقة المطلقة. لدرجة أنه بالرغم من مرورك على هذه المقارنة، ستستمر في الاعتقاد بأن فيروس كورونا أخطر من الملاريا. لأنك ببساطة انغمست داخل هذه الهيكلة الكولونيالية، وانقاذك من الضرر الذي احدثه الغرب داخل دماغك يكاد يكون مستحيلا.. نحن ندفع ثمن الإمبريالية فقط.

نشر هذا المقال على الفيسبوك بتاريخ 13 مارس 2020
TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *