لم يكن ابتعادها عن قريتها الصغيرة القابعة في أعلى جبال الأطلس بالأمر الهين. لقد اعتادت على قصوة البرد القارس في فصل الشتاء، اعتادت على إنقطاع الطريق بسبب كثرة الثلوج، اعتادت على تدفئة نفسها بحطب أشجار الأرز، و اعتادت على قطع ميلا ونصف كل يوم ذهابا الى الثانوية و عودة منها. كان كل ذلك، بل أكثر بكثير مجرد روتين يومي. لم يفارق اللون الوردي وجنتيها، كما كان التورم صديق يديها. من هناك بدأت حكايتها، من ذلك البيت المنعزل عن باقي السكان، حيث لا ترى والدها سوى ساعات قليلة في الأسبوع. اما امها فقد أخبرتكم عنها في الماضي،
لا تعرف معنى الراحة، و قد علمت لأصغر بناتها أصول العيش في الجبال، حتى أصبحت قاسية ورقيقة في الحين ذاته. كانت حياتها نسخة أمازيغية لحياة روميو في ايطاليا، و كوزيت في فرنسا؛ فقد امتلكت شجاعة روميو و قوته، ثم جمال كوزيت ورقتها.
وهاهي الآن بكل تلك الرقة تعبر الشارع بعد أن تركت سكون الزقاق و عزف الأقدام خلفها. رأيت في خطواتها شيء من الرقص، و كأن موزارت يتبعها بكمانه، أو كأنها اعتلت المسرح أمام بيتهوفن. لم يكن النظر إليها كل يوم بالشيء الممل، فمن يمل من تناسق جسمها و سحر خطواتها. كانت مراقبتها شبيهة بمشاهدة عرض اوبرا، ومن عديم الذوق الذي قد يمل من عرض كهذا، و إن عرض للأبد.
مازلت لا أميز في المشهد سوى ردائها الأحمر، اما صوت صديقي المزعج الذي لم يكتفي من الحديث عن مبارة أمس، فقد تحول إلى معزوفة " بربري في اشبيلية " . تسارعت أقدامها في تزامن مع المعزوفة، و كلما أسرع روسيني، كلما أسرعت هي الأخرى، بل تحولت خطواتها الى هروب، و كأن فرايداي الذي يظهر في كوابيس ابطال سلسلة افلام " كابوس شارع إلم " يلاحقها، و كأنها لا تقوى على رؤية وجهه المشوه، و لا تقوى على سماع صوت احتكاك مخالبه مع الحائط. الى أين تهربين؟ فرايداي ليس خلفك فقط، إنه حيث تلجئين، يجلس قربك في مدرج الجامعة، يحاضر بكل تبجح في حصة الترجمة، ينتظر نهاية الشهر ليسلب منك نصيبه من أجرة الغرفة، وربما ينام في الحجرة المجاورة. فرايداي في كل مكان، وربما هكذا ابدو لك أيضا " ذلك المعتوه الذي يكتب عني ليلا و يتجاهلني صباحا .. حتما ذاك هو فرايداي .. "
لا تعرف معنى الراحة، و قد علمت لأصغر بناتها أصول العيش في الجبال، حتى أصبحت قاسية ورقيقة في الحين ذاته. كانت حياتها نسخة أمازيغية لحياة روميو في ايطاليا، و كوزيت في فرنسا؛ فقد امتلكت شجاعة روميو و قوته، ثم جمال كوزيت ورقتها.
مازلت لا أميز في المشهد سوى ردائها الأحمر، اما صوت صديقي المزعج الذي لم يكتفي من الحديث عن مبارة أمس، فقد تحول إلى معزوفة " بربري في اشبيلية " . تسارعت أقدامها في تزامن مع المعزوفة، و كلما أسرع روسيني، كلما أسرعت هي الأخرى، بل تحولت خطواتها الى هروب، و كأن فرايداي الذي يظهر في كوابيس ابطال سلسلة افلام " كابوس شارع إلم " يلاحقها، و كأنها لا تقوى على رؤية وجهه المشوه، و لا تقوى على سماع صوت احتكاك مخالبه مع الحائط. الى أين تهربين؟ فرايداي ليس خلفك فقط، إنه حيث تلجئين، يجلس قربك في مدرج الجامعة، يحاضر بكل تبجح في حصة الترجمة، ينتظر نهاية الشهر ليسلب منك نصيبه من أجرة الغرفة، وربما ينام في الحجرة المجاورة. فرايداي في كل مكان، وربما هكذا ابدو لك أيضا " ذلك المعتوه الذي يكتب عني ليلا و يتجاهلني صباحا .. حتما ذاك هو فرايداي .. "
الجزء الأول : صباح طالبة



ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق