سكيزوفرينية الإنسان المغربي

إن الدارج على الموضة هذه الأيام هو كتابة سطر أو سطرين حول ما يحدث في أمريكا، انتقاد لهذا وتثمين لذاك أو وقوف في صف فلان وعداوة فلانة واستهزاء وتعاطف وتعصب وما إلى غير ذلك. وبالرغم من أنني متيقن شديد اليقين أن حصة الأسد من المنشورات المنتشرة هي مجرد تكرار لبعض الأفكار (نسخ ولصق لأفكار الآخرين مع تغيير في الأسلوب أحيانا)، إلا أنه من الواضح بعد التدقيق في هذه المنشورات والنظر في بنيتها، ثم إسقاط ذات البنية على مواضيع مشابهة في البيئة المغربية، يظهر جليا أن هيكلة المنشور - أو الفكرة - لا تبقى صالحة، بل تتحول إلى النقيض، وهذا ما يدفعنا للحديث على ازدواجية الآراء والمواقف بخصوص القضايا كلما تغيرت البيئة التي تحتضن القضية.


فيما يلي سنحاول الدخول إلى عقل المغربي فنسقط هياكل - أو بنيات - مختلفة على نفس القضايا في المغرب وأمريكا، حتى نلمس هذا البارادوكس الخطير، وحتى نبين أن رأي المغربي في ما يحدث بأمريكا إما مبني على أفكار مكبوتة لا يستطيع الإفصاح عنها في القضايا المحلية، أو هو نتاج صراع باطني بين المنطق والخرافة، فيكون عقلانيا عندما يحشر أنفه فيما يخص الآخر، بينما ينهج الخرافة في ما يخصه.

لنأخذ العنصرية كمثال، إن الغالب هو أن المغربي يخالف هذه الظاهرة لإعتبارات تتباين بين ما هو إنساني وما هو مفروض بقوة المعتقدات. وحتما سيبدي في منشوره تعاطف رومانتيكي (ربما مصحوب احيانا بعبارات متعصبة) بخصوص واقعة جورج فلويد. هذا ما سيحدث إذا أسقطنا هيكلة موقف المغربي من العنصرية في مجتمع غير مجتمعه، لكن في الإسقاط على القضايا المحلية، فإن القصة تختلف. إن المغربي الذي يسكن في المدينة يتعامل بإستهزاء واحتقار وتنقيص مع من يسكن البوادي من بني جلده، بل إن هذه العنصرية يروَّج لها في القنوات الحكومية من خلال أفلام ومسلسلات واشهارات تمرر رسائل تنقيص وتحقير لسكان البوادي، ونرى بالمقابل إقبال كبير على هذه المواد الإعلامية من سكان المدن لما يرون فيها من إرضاء لنواقصهم. كما أن الحكومة تنهج العنصرية ذاتها من خلال تهميش البوادي وقطع صلتها بالعالم الخارجي، فأنت لن تجد في معظم البوادي مستوصفات ولا طرقا معبدة ولا مدارس قريبة ولا شبكة إنترنت ولا أي من النعم التي يستمتع بها سكان الحواضر. إن المغربي هو ذاك الذي يرمز للشر بالأسود والخير بالأبيض، هو من يتراوح مقياسه في تقييم الحسناوات بين البشعة السوداء والجميلة الشقراء (الأمر نفسه عند النساء). هو الذي يرى في البياض نقاء وفي السواد نجاسة. هو من يعتبر الآخر إن على دين غير دينه كافرا، وإن في ثقافة غير ثقافته جاهل (كما حدث مع الصين)، وإن يقطن في مدينة غير مدينته متخلف وعدو (ثنائيات الرباط-طنجة فاس-مكناس وغيرها...). إنه لا يطالب بالمساواة إلا عندما يكون المضطهد هو اسود يعيش على بعد آلاف الكيلومترات، حيث أن تلك المساواة لن تؤثر عليه في شيء. بينما عندما يطرح موضوع المساواة بين الجنسين في بيئته، فإنه يتحول إلى متعصب ينبذ التسامح ويتبنى العداء. إن المغربي يكره الأجنبي على دينه ويكره الأجنبي على ثقافته ويكره الأجنبية على جنسه ويكره الأجنبي على حيه... وإن من يتحمل مسؤولية ما غرس فيه من سموم العنصرية تجاه الآخر هو الاحتلال العربي ثم بعده الاحتلال الغربي.

لنبقى دائما مع قضية قتل جورج فلويد، إن المغربي عموما سيرى من الشرطي مجرم وجب معاقبته بأشد العقوبات وسيسرف في نشر الهاشتاغات والمنشورات المطالبة بإصدار الحكم على الشرطي في أقرب وقت، بينما سيرى أن جورج هو ضحية الحكومة الأمريكية المتوحشة. أن هذا موقف نبيل كان ليستحق التشييد لولا انه يتحول إلى النقيض في القضايا المحلية. فإذا أخذنا نموذج تعنيف الأمن للأساتذة المتدربين مثلا، أو تعنيف الجهات الأمنية للمدنيين بطرق وحشية في فيديوهات تغزو مواقع التواصل الإجتماعي. فإن أغلب المغارب لا يكترثون لهذه المواضيع لأن الضحية لا يصرخ طالبا النجدة بالإنجليزية، ولأن الخبر لم تنقله CNN أو New York Times. وبالتالي فهي ليست مسألة مبادئ بقدر ماهي قضية تباهي وتصنع. كما أن أغلب المغاربة يعتبرون من يتعرضون للعنف المخزني مجرمين ودعاة للفتنة يستحقون ما حصلوا عليه من شتم وقذف وضرب، في حين من يتعرض للتعنيف في أمريكا ضحية مهما كان جرمه، وهذه سكيزوفرينية في المواقف.

أعتقد أن الفكرة قد اتضحت، لكن من أجل التأكيد على هذا التناقض الخطير، سنتطرق الى مثال أخير. إن أغلب المغاربة يتعاطفون مع سكان أمريكا الأصليين، فهم يرون في الغزو الأوروبي للعالم الجديد توحش وانعدام للإنسانية. ويرون أن تلك الأرض قد سرقت من أصحابها قسرا. لكن عندما نعيدهم الى بيئتهم، فسنجدهم أسوأ حالا من سكان أميركا الأصليين. إنهم يدافعون في المغرب على ما يرفضون وجوده في أمريكا. يرفضون احتلال اروبا لأمريكا، ويدافعون على احتلال العرب والغرب للمغرب. ينتقدون بشراسة خطط الحكومة الأمريكية في القضاء على السكان الأصليين، لكنهم يضعون يدهم في يد السعودية وتركيا وفرنسا من أجل القضاء على أصلهم الأمازيغي. يقرون على أحقية السكان الأصليين لأمريكا في الحصول على استقلال كلي عن الحكومة الأمريكية، لكنهم يرفضون الاستقلال عن العرب والغرب.

إن مشكلة المغربي هي أنه لا يستطيع أن يريد لأمريكا ما يريده للمغرب، ولا يستطيع أن يريد للمغرب ما يريده لأمريكا، في القضايا ذاتها. انه متنكر لأصله وفي الوقت نفس يدافع على أصول الآخرين، عنصري في بلده وعدو للعنصرية في بلدان الآخرين، داعم للعنف المخزني ورافض لعنف الشرطة الأمريكية، يتعاطف مع ضحايا حكومات العالم ولا يكترث لضحايا حكومة بلده، يعتبر تخريب الأمريكيين للمتلكات العامة همج ورجعية وهو من يقلب كل مركب رياضي يدخل إليه رأسا على عقب، يرى أن خروج الأمريكيين للمظاهرات شجاعة وهو أول من يهاجم كل مظاهرة في بلده وإن كانت من أجل مطالب بسيطة كمستشفى وجامعة. إنه بخلاصة انسان سكيزوفريني يتصنع الخير وهو منبع كل الشرور.
TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *