كلامي هنا موجه لفئة شعرت بنشوة الانتصار عندما تبين لها أن الآخر متخلف بقدرها، وأنها ليست الوحيدة المتخلفة على الأرض. كلامي موجه لمن تغيظه صور الشعب الأمريكي عندما يعبر عن رأيه بكل حرية وبدون خطوط حمراء، أو تغيظه حرية الصحافة وتعدد المنابر و الآراء وطريقة مخاطبتهم للشعب الأمريكي كبشر لا كماشية، أو تغيظه حرية هوليود في انتقاد أعظم السلط وأكثر الأفكار تزمتا على وجه الكوكب كيفما كان نوعها، او يغيظه الأدب الأمريكي الذي وإن بدأ متأخرا إلا انه سبق الجميع (لا أقصد بالجميع "العرب" لأنهم أصلا خارج السباق)، أو تغيظه إنجازات الشعب الأمريكي على مستوى العلوم والتكنولوجيا. كلامي موجه لمن أعطته أمريكا "فيسبوك" حتى يوصل صوته للعالم بعدما كان يموت كالحشرة ولا أحد يكترث، واعطته "يوتيوب" حتى ينافس المغنيين والممثلين الذين يحتكرون وسائل الإعلام الحكومية وحتى يبرهن أن الفن والإبداع يكمن داخلنا جميعا وانه ليس حكرا على فئة معينة، واعطته "واتساب" حتى لا يظل عبدا عند غول شركات الإتصال التي تستنزف ماله مقابل ثوان معدودة من الكلام. كلامي موجه لمن اخترعت له أمريكا الانترنت والحواسيب الشخصية والهواتف والايمايل، ثم صنعتها بكميات وافرة وجودات مختلفة وشحنتها الى بلده حتى يستطيع الحصول عليها بأرخص ثمن ممكن. كلامي موجه لمن صنعت له أمريكا الحرية بتكنولوجيتها وثقافتها ومبادئها لكنه ملح على الظلام والرجعية والتخلفة. كلامي ببساطة موجه لكل من يحب الجهل والعبودية واللون الواحد، ويكره التحرر والحياة.
ان الشعب الأمريكي هو شعب طواق للحرية بطبعه، عكس شعوبنا المتخلفة التي زرع فيها العرب الخوف وملايين القيود وحب الانبطاح والعبودية. أمريكا شعب لا يهاب أحد، ولا تقيده فكرة ولا طاعون منتشر ولا معتقد معين، انه شعب يثور على كل من يحاول خدش حريته مهما كان ثمن ذلك. ربما لا نستطيع فهم هذا الأمر لأننا لم نجرب الشعور بالحرية يوما، فحتى وانا اكتب هذه التدوينة أمحي كلمة أو اثنتان وأعيد الصياغة من جديد وابدل بعض المصطلحات الشديدة اللهجة واجتهد في تمرير الرسائل المشفرة واستغرق ساعة في نسج خيوط فقرة واحدة لأنني ببساطة لست حرا حتى اكتب ما اريد فعلا التعبير عنه، لكن على الأقل يمكننا أن نتخيل الحرية وكأنها علبة شكلاطة أو قطعة حلوى أو شيء من هذا القبيل.
ان تلك الفئة التي تنتشي بصور الخراب في أمريكا يمكن تأويلها لعدة تأويلات. الأول والأكثر وضوحا هو تعويض النقص في الذات العربية الرجعية، فما دام أن الفكر العربي المحدود غير قادر على مواكبة ما حققه الشعب الأمريكي من استحقاقات على مستوى مختلف الميادين، فإن الأقرب والاسهل هو جر أمريكا الى زمن التخلف الذي نعيش فيه. فبالرغم من أن أعمال الشغب في أمريكا قد تكون بسبب دس حكومة ترامب لعناصر مخربة تحاول تشويه صورة الانتفاضة كما تفعل حكومات العرب عادتا، أو ربما هي ردة فعل سيكولوجية لخصها الدكتور مصطفى حجازي في كتابه كالآتي "هناك عدوانية أكثر صراحة من حيث توجهها ضد المتسلط، وهي ظاهرة تخريب الممتلكات العامة التي تلاحظ في ظروف الفوران في المجتمع .. الإنسان المقهور .. يحس بالغربة في بلده، يحس بأنه لا يملك شيء، حتى المرافق العامة يحس أنها ملك للسلطة، وليست مسألة تسهيلات حياتية له هو"، مهما كان سبب التخريب فإن الإنسان المستعرب المتخلف يقتات على ذلك حتى يشبع عقدة النقص داخله، فالآن يستطيع أن يقول بكل فخر "نعم انا همجي.. لكن الأمريكي كذلك"، وإن هو يعلم في أعماقه انه يوهم نفسه فقط. اما التأويل الثاني فهو بخصوص فئة كان شعارها بالأمس القريب "واش بغيتونا نوليو بحال سوريا". فإن كانت الفئة الأولى تكره الحرية كقيمة إنسانية حتى وإن قدمت لها على طبق من ذهب، فإن الفئة الثانية تكره التحرر بسبب عجزها على تحقيق ذلك. لذا فإنها ترضي ذاتها وتقمع تأنيب ضميرها بمحاولة إلتقاط كل إشارة تثبت انها على حق حتى وإن كانت وهما. انها كذلك الطالب الذي يرضيه فشله عندما يفشل الآخر كذلك، فهي تثبت ذاتها بفشل الآخر لا بتفوقها. والحقيقة انها الأكثر انبطاحا، وتجدها تنادي بالعبودية (الفكرية والجسدية) في كل فرصة أتيحت لها. انها الفئة المازوخية التي تستمتع بالسلط السادية، فتجدها تحارب كل من يريد انتشالها من مستنقع السادومازوخية القدر الذي غرقت فيه، بل وتحاول جاهدا جرنا معها الى الجحيم. اما الفئة الثالثة فهي مختلفة قليلا على سابقتها، فإن كان سبب عداء الفئة الثانية للإنتفاضة الأمريكية هو تشبثها بالعبودية تدللا وانبطاحا للتسلط، فإن الفئة الثالثة تهاجم الانتفاضة كنوع من عقاب الذات. اتتذكر ذلك المشهد من الأفلام السينمائية عندما يضرب الممثل رأسه مع الحائط كعقاب لخطئ ارتكبه؟ حسنا! إن هذه الفئة تقوم بالأمر ذاته لكن بشكل مختلف. فعندما يقوم شخص بنشر فيديو للتخريب تم الترويج له من طرف حكومة ترامب، فيدافع من خلاله على أحقية الأقليات في أمريكا على استعباد ملايين الأفارقة بسبب عشر أشخاص (ربما تم دسهم داخل المظاهرات من أجل تشويه صورتها) هاجمت سوق ممتاز أو شخص ابيض او غيرها... -عندما يقوم بذلك- فإن ما يقصده فعلا هو نفسه، انه غارق في نكران الذات وتهميشها ومعاقبتها على تخادلها في تحقيق حريتها، فلا هو طالب بحقه ولا هو هرب من بلاده إلى أرض الحرية ولا هو واجه الأفكار والعقائد التي تسيج عقله. وعليه، فإن ما يطالب به فعلا هو أحقية الأقليات في بلده بإستعباده، لا شك في أنه مازوخي كذلك، لكن هذا يحدث غصبا عنه، انه بعقاب نفسه يعتقد أنه قد حصل على ما يستحقه، وبهذا يرضي ذاته ويكبت الديناميت داخلها. هناك فئات اخرى هامشية كتلك التي تؤيد العنصرية والعبودية فقط حتى تشتهر وتخلق ضجة معينة اقرارا لمبدأ "خالف تعرف"، وهناك حالات أخرى أكثر مرضيتا لكن لا تهمنا الآن.
انا هنا لا ادافع على أمريكا التي خربت العراق والفيتنام وسوريا واليمن وغيرها، ولا ادافع على أمريكا التي تدعم حكام الدول المتخلفة، ولا ادافع على أمريكا التي تروج للحروب قبل السلاح، والأمراض قبل اللقاح، ولا ادافع على أمريكا التي تفرض الرأس مالية المتوحشة التي تخدم الأقلية الحاكمة على حساب عامة الشعب. انا هنا أقف الى جانب أمريكا التي انتفضت سابقا من أجل استقلالها، ثم ناضلت من أجل حقوقها وحرياتها. انا اقف الى جانب أمريكا إليزابيث فريمان وجيمس ماديسون ولوكريسيا موت وويليام غاريسون وفيكتوريا وودهول وباربارا كاميرون وجيمس اورينج وبوب موزيس ومارتين لوثر كينغ ومالكوم إكس وروزا باركس وهاري هاي وايدغار نيكسون وأليس بول وعشرات الأسماء التي قادت ثورات من أجل حقوق المضطهدين في أمريكا والعالم. انا اقف في صف شعب مهما حصل على الحرية لا يكتفي، ومهما فرض عليه من قمع لا يهاب. شعب بدء من الصفر فحقق المستحيل، وصل إلى القمر وصنع آلات تسهل علينا حياتنا اليومية وحقق للعالم مكتسبات حقوقية وصنع أدوية لأمراض كانت تفتك بنا، وقدم لنا العولمة التي يوجد في نصفها الممتلئ عولمة الحقوق والمكتسبات والاختراعات والبحوث العلمية والحريات الفردية وغيرها، ولأننا شعوب مستعربة عشش الجهل في عقولها، لم نستقطب من هذه العولمة سوى الافلام والمسلسلات والمشروبات الغازية وسراويل الجينز. ان الشعب الأمريكي ولاد ومنتج ومبدع بسبب ما مر به من أحداث مشهودة وما حققه من مكتسبات، ومهما حاول المتطرفون من أمثال ترامب إسقاط هذا البلد المتنوع الذي يلتقي فيه جميع الأعراق من أجل إحياء "الحلم الأمريكي"، سيعود أقوى وأكثر تمسكا بقضيته الأولى الا وهي الحرية. إن ما يحدث اليوم في أمريكا لن يزيد هذا الشعب العنيد سوى المزيد من الصمود أمام أعداء الحرية. وحثما سيسقط ترامب وكل من معه من أنصار العبودية، وسيظل الشعب الأمريكي رائدا للعالم الحر.
قراءة في طريقة تعاطي الإنسان المتخلف مع الانتفاضة الأمريكية
Ayoub Bouamri يونيو 04, 2020 0
ثقافة
حول العالم


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق