الجهاد الإلكتروني وقانون 22.20 ‏


إن المسكوت عنه في المغرب هو أن الإسلام أصبح يندثر. هذه حقيقة لا يمكن نكرانها ونتيجة حتمية للإسلام السياسي. 


منذ أن اخذت الأحزاب المغربية من الإسلام سلاحها الأول في الوصول إلى مناصب القرار، والإسلام في تراجع. في السابق، كان المسجد ملجأ المضطهد وعيادته النفسية التي تكبت أحقاده وتروض غضبه وتقنعه أن الله يمهل ولا يهمل، فيخرج راضيا على نفسه ومُسَكِّنا لآلامه وفوارنه تجاه صناع القرار. أما اليوم، فالمضطهد يرى أن الإسلام قد تحالف مع جلاده، فأصبح يجوع ويمرض ثم يموت مدلولا بإسم الإسلام. إن المضطهد يرى في الإسلام صديقه وكاتم أسراره الذي خان فباح بها للجلاد ليزيده جبروتا على جبروته. وبالتالي فإن النفور من الإسلام يبدو مفهوما اذا قرءناه بهذا الشكل، خاصة وأن الأمثلة في التاريخ تصب في ذات الاتجاه. إن سبب تحول المسيحية إلى دين رمزي لا يكاد يشكل جزء بسيط من حياة معتنقه اليومية، هو محاولتها سابقا في الإستيلاء على حياة كل من يرى النور على نطاقها الجغرافي، الى درجة ان جبروت المسيحية قد فاق جبروت الملوك حتى، لينقلب صاحب التاج على الرهبان - قبل أن يفعل الفلاح والحداد الأمر ذاته - لشعوره بضرورة عزل عرشه عن سرطان المسيحية الذي لا يهمه شيء سوى دك الكنيسة بأطنان الذهب وإن على حساب أرواح البشر. إن الدين من وجهة نظر السياسيون الطامعون في استغلاله ينظر إليه بطريقتين مختلفتين. الأولى هي استخدامه كمسكن لآلام المضطهد وككابت لأحقاده وغضبه، وذلك من خلال إقناعه -بواسطة الدين- ان الله يمهل ولا يهمل وان الفقير على الأرض سيجزى بعد موته وأن من يحاول تغيير المصير (القدر بمفهوم ديني) هو مشكك في فلسفة الخالق وحكمته... أما الوجه الثاني لإستغلال الدين فهو من خلال تبنيه كسلاح لا يشكك فيه. فتجد من يصل به الى السلطة ومن يغسل به العقول ومن يرعب به منتقديه من الشعب ومن يكدس به الأموال الطائلة ومن يصل به الى الشهرة... والأمثلة على كل ذلك لا تحصى ولا تعد. وبين هذا وداك، فإن الدين اما ان يكون عميل المتسلط الذي يخدم مصالحه تحت عباءة شفيع الفقراء والشاهد على معاناتهم. أو أن يتخد موقف الجلاد ويد المتسلط اليمنى التي يضرب بها بدون رحمة ولا شفقة. إن هذا التقديم البسيط حول الدين وعلاقته بالسياسة سيحيلنا على فهم الجهاد الإلكتروني. 

قبل مدة قامت صفحة مقربة من جماعة "العدل والإحسان" السلفية [حسب موقع لكم] بشن غزوة إلكترونية تحت شعار الجهاد في سبيل الله على حساب مواطنة مغربية أهانت المعتقدات. إن الأمر اذا خاضع للنظرية التي تطرقنا لها في التقديم. مواطن مضطهد يهاجم الإسلام الذي خانه، وسياسي يستخدم الإسلام كسلاح للضرب بيد من حديد على كل من يحاول الخروج عن سلطانه. انها رقصة الرجعية والتخلف في أبهى تجلياتها. بل وحرب الضحية الوحيدة فيها هو ذلك المغلوب عن أمره الذي يتخد موقف دون أن يكون له ربح فيه، فهو اما ان ينساق خلف صفحة تعده بالحسنات والنعيم ان هو جاهد رقميا في سبيل الله (والواقع في جميع الأحوال انه يجاهد في سبيل مصلحة سياسية)، أو يدافع عن شخص اهان المقدسات وهو أمر مرفوض إن تم بشكل علني لما يولده من حساسية إجرامية في المجتمعات الرجعية. وما دمنا في بلد يغيّب التفكير النقدي عن كراساته التعليمية، فإن تحليل الأحداث بصفاء وحياد يغيب حتى في الظروف العادية، فما بالك في فترة هيجان الحشود.

ان المجاهد الرقمي هو انسان مليء بالمتناقضات. فهو يشاهد الافلام الإباحية ليلا ويكبر الله نهارا. يدخن (يلقي بنفسه الى التهلكة) كل 10 دقائق سجارة لكن يثور ان شخص أغفل الصلاة على النبي حين يُنطق إسمه. يغيب عن صلاة الفجر يغش في عمله يكذب يسرق ينهب يشتم يعتدي على الآخر يتحرش يتعاطى المخدرات... لكنه في نهاية اليوم يتوضأ ثم يصلي ركعتين في المسجد ليدعو الله هناك أن ينتقم من الكفار والمنافقين! إن المجاهد الرقمي يمتلك شخصيتين. الأولى تظهر في الخفاء، عندما يرسل أطنان من الرسائل الإلكترونية الى صندوق فتاة على الفيسبوك يفرغ فيها -الرسائل- مكبوتاته الجنسية، أو عندما يختلي بفلم ايباحي أو مسلسلات نيتفليكس... اما الثانية فتظهر جهرا عندما يشارك المنشورات الدينية أو عندما يدعو للجهاد الإلكتروني. ومدعي التحرر هو الآخر لا يكاد يخلو من المتناقضات. إن كل ما يدعو له من افكار تحررية لا يكاد يطبقها في حياته اليومية. فهو يدعوا للمساواة بين الجنسين لكنه يدخل صراع الإرث متسلحا ب "للذكر مثل حظ الانثيين". ينتقد المسلم عندما يهين معتقد الهندي أو ثقافة الصيني معتبرا ذلك تخلف ورجعية وحقد 'مجاني' على الآخر، لكنه بالمقابل يهين رموز الإسلام في نوع من النفاق الصريح. إنه مجتمع منافق إذا. يعصي الله سرا ويقدسه جهرا. أو يخالف الإسلام جهرا مدعيا التحرر، ويطبق تعاليمه سرا عندما يرى فيها ما يدعم تفوقه البطريركي. وعلاوة على ما تطرقنا له في ما سبق، فإن أزمة الهوية تلعب دورا محوري في فهم هذا البارادوكس الجوهري في بناء شخصية الإنسان المغربي [ادعوكم لقراءة تدوينتي السابقة بهذا الخصوص].

موقفي من قانون 22.20 كان واضحا وتحدثت عنه بالتفصيل الممل في تدونتين سابقتين عندما كانت الحشود على فوهة الفوران. لكن سأختصره في عبارة واحدة لمن فاته قراءة التدوينات السابقة "نعم لتقنين الإنترنت في المغرب، ولا لقمع حرية التعبير". انها ليست بالعبارة المتناقضة كما قد يعتقد البعض، فتقنين الإنترنت ليس بالضرورة قمع لحرية التعبير، لكنه قد يؤخد كدريعة من أجل تمرير مواد تضرب في حق الفرد في التعبير عن ذاته (الصين كنموذج). إن غياب قانون شامل (دستور رقمي إن صح القول) مؤطر للأنترنت يتركنا أمام "السيبة" في التعامل مع قضاياه. فلو اننا امتلكنا قانون واضح في التعامل مع اهانة المعتقدات في الفضاء الرقمي، لما فتح المجال للجهاد الإلكتروني. وأقصد هنا بإهانة المعتقد، إهانة جميع الديانات على وجه الأرض او التنقيص من قيمة رموزها، خاصة الديانات الأكثر انتشارا في المغرب (الإسلام، المسيحية، واليهودية)، ويدخل في ذات الإطار إقرار حرية المعتقد والتعبير عنه بحرية كاملة في إطار احترام الآخر. كما أن الجهاد الإلكتروني (الدعوة للتبليغات بدافع إيديولوجي) وجب التعامل معه على اساس أنه إرهاب رقمي يمهد الطريق إلى القتل والتعنيف الجسدي والنفسي. إلا أنه في جميع الأحوال، القانون لا يكفي في ظل خراب النظام التعليمي، كما أن القانون الرقمي لا يمنك أن ننتظر منه الكثير إن كان القانون العادي نفسه قد فشل في اتخاد الحياد وتطبيق بنوده على الوزير كما على الفقير.

وفي الختم أريد التذكير بالبروباغاندا وطريقة تأثيرها على الحشود. الهدف من هذه الضجة شبيه بضجة "الفايد" وضجة "قانون 22.20" وغيرهما الكثير... كلها قنابل إعلامية تطلق في فترات معينة من أجل أسباب سياسية مختلفة. الفيسبوك مليء بآلاف المنشورات وملايين التعليقات التي تهين المعتقدات، لمذا تم اختيار هذا المنشور بالضبط الذي في صلبه لا يهين المعتقد، وإنما ينتقده في قالب من الهزل (عموما أمر مرفوض في مجتمع رجعي وإن كان مقبولا في العالم المتقدم). ولمذا تم التأكيد على كلمة "استاذة" ثم كلمة "فلسفة" وكلمة "امرأة" وتصوير هذه المصطلحات بما تحمله من دلالات في قالب من الكفر، بل وتقبيحها وتقديمها كشيطان وجب محاربته وتدنيسه؟ ثم لمذا يقدفون قنابلهم كل ما عادت ملفات كتأخر أموال صندوق "الإهانة" -وليس الإعانة-، وقضايا الفساد والنفاق السياسي، وأزمة (أو مسرحية) صراع الأحزاب التي لا تفيد أحد سوى الأحزاب المتصارعة الى الواجهة؟ والسؤال الاهم من كل ذلك، متى سنحلل كل ما يحدث حولنا بتفكير نقدي بعيد عن التعصب والعاطفة والقبلية والراديكالية والطائفية التي لا تفيد المجتمع بقدر ما تخربه؟ 
TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *